ابن عجيبة

197

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : اتَّبِعُوا أيها الناس ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ * من أحكام القرآن والسنة ؛ إذ كله وحي يوحى ، وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى « 1 » ، وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أي : اللّه ، أَوْلِياءَ من الجن والإنس يضلونكم عن دينه ، أو : ولا تتبعوا من دون ما أنزل إليكم أولياء ، تتبعونهم فيما يأمرونكم به وينهونكم ، وتتركون ما أنزل إليكم من ربكم ، قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ : تتعظون حيث تتركون دين اللّه وتتبعون غيره ، بعد كمال إنذاره ووضوح تذكاره ، وذلك لانطماس البصيرة وعمى القلوب ، والعياذ بالله . الإشارة : اتباع الحبيب في أمره ونهيه يدل على صحة دعوى المحبة ، ومخالفته يدل على بطلانها . تعصى الإله وأنت تظهر حبّه * هذا محال في القياس بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته * إنّ المحب لمن يحبّ مطيع « 2 » وجمع المحبة في محبوب واحد يدل على كمالها ، وتفرق المحبة يدل على ضعفها ، ولذلك قال الشاعر : كانت لقلبى أهواء مفرقة * فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائى فلا تجتمع المحبة في محبوب واحد إلا بعد كمال معرفة المحبوب ، وشهود أنوار جماله وكمال أسراره . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر وبال من لم يتبع ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 4 إلى 7 ] وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ( 4 ) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 5 ) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) قلت : ( كم ) : خبرية ، مفعول ( أهلكنا ) ، وهو على حذف الإرادة ، أي : في الحال أردنا إهلاكها ، و ( بياتا أو هم قائلون ) : حالان ، أي : بائتين أو قائلين ، وأغنى الضمير في ( هم ) عن واو الحال .

--> ( 1 ) الآية 5 من سورة النجم . ( 2 ) البيتان لعبد اللّه بن المبارك .